مقالات

الموردة بتلعب

حروف وفيّة / مهندس: عابدين احمد ربيع

* حي الموردة العريق ، من الاحياء التي تجسد صورة السودان بشكل مصغّر ، ذلكم الحي الهادي والذي يقبع في قلب امدرمان كان ومازال مضرب للمثل في الوطنية والولاء والوفاء كيف لا وهو منبع التنوع الثقافي والاثني والادبي الذي يجسد صورة السوداني الاصيل ،،،
تلكم البقعة الضاربة في العراقة كونها الضباط الاحرار والخريجين الاوائل الذين اسسوا مبدأ الحركة الوطنية وساهموا مساهمة فاعلة في النشاط السياسي كيف لا ومعظم روادها لهم ارتباط وثيق بتاريخ السودان القديم والحديث اذ تجمّع في هذا الحي التاريخي الذي قامت عليه مدينة امدرمان عاصمة السودان التاريخية خيرة ابناء الوطن من شماله وجنوبه وشرقه وغربه،،
تعايشت هذه الكتلة السودانيه في امان اجتماعي وتناغم بديع فكان (النفاج) يمثل الجسر الواصل بين كل بيوتات الموردة لا يفصل بينهم الانس والسمر والمشاركة الرحيمة فيما بينهم الا قدوم النصف الاخير من الليل ويلتئم الشمل عند انبلاج الصبح.
*(حي الموردة) الجميل والانيق تشتم من ناحيته عبق العراقة والتاريخ فما ان تتجول بين ازقته وشوارعه وسوقه العريق الا وتتملكك الدهشة ويحتضنك الحب الموزع علي حواريه ولا تكاد تنفك منه الا محبوراً وفي دواخلك راحه لا تعيشها الا هناك.
*الموردة تنضح بالحياة في كل تفاصيلها ، هناك جمال الانسان علي ضفاف (خور ابوعنجة) وعند (كبري ابوالريش) وفي (سوق السمك) و(سوق الخضار) ويستنطقك التاريخ ويقنعك عندما تقع انظارك علي (الطابية) التي صارت الان منارة تاريخية شامخة وهناك (بوابة عبد القيوم) ، والروحانيات المتجلية من البون الصوفي الفسيح عند سجادة الادارسة وخلاويهم المشرقة علي شرف ضريح الشيخ الحسن الادريسي وحين ارتقاء الروح لمدارك السماء في رحاب الدروايش وطبول (النوبه) المعطونة في احواض الذاكرين ، وهناك في الموردة الفن ومنهله العذب في (دار الفنانين) ولا ننسى عديد الفنانين الذين صنعتهم الموردة وتوزعوا علي اركان السودان العامر حينها ابتداءً من “الكاشف” الذي كان صبياً يمتهن النجارة فيها وحتى رحيله جنوباً نحو ود مدني.
*الحديث عن الموردة ورجالاتها وعائلاتها وصنعها لتاريخ السودان ذو شجون وطويل لا تسعه هذه المساحة الضيقة ولكن لابد لي ان ازور (مسائد) الشرف والشموخ لاتحدث عنها ولو بتواضع حرفي وكلمات تصغر ومكانتها بفراسخ الاميال.
*رياضياً يعتبر نادي الموردة من اقدم اندية امدرمان وهو شيخ سجادتها وتالى قرآنها وقاريء راتبها ،، اذ تاسس هذا النادي العريق في بدايات القرن الماضي حيث شهد العام 1927م صرخته الأولى وقبله في العام 1919م كان يمثل فريقين متنافسين بين ابناء الحي،،
لا يذكر الدوري السوداني والكرة السودانية علي وجه العموم الا ويذكر (نادي الموردة) اذ كانت الموردة تشكل الضلع الثالث من مثلث الاندية السودانية العريقة بمعية نادي الهلال ونادي المريخ ،، اتخذ من شعاره شعار (الكلية الحربية) في دلالة واضحة علي العمق التاريخي والوطني الاصيل الى ان دمج الشعار ب”الهلب” بعد مشادات مع الحكومة ،،
اطلق “المورداب”على ناديهم ألقاب عديدة اشهرها (القراقير) ،، وهذا اللقب رغم ان الكثيرين ذهبوا الي ان سبب التسمية نتج بعد مباراتهم مع الهلال السوداني تلكم المباراة الشهيرة التي لُعبت علي الوحل الا انهم رفضوا هذا السبب رفضاً شديداً.
*نادي الموردة العريق كان يمثل (الكعكة) الشهية في مناسبات السودان الرياضية ،!!!!!
نادٍ كان ذو ثقل جماهيري وتاريخي كبير ،، كانت المنافسة لا تخرج (عن هلال- مريخ -موردة) … وكانت مباريات طرفي القمة علي حرارتها واشتعالها وزيادة هرمون (الادرنالين) فيها عندما تلتقي ب(الموردة) ،، خاصة وان هذا النادي العنيد كانت تلتف حوله جماهير خلاقة ومتعصبة مجبولة بالشغف والجلبة والاناشيد والاغنيات الخالدة التي كان يحفظها الشارع السوداني عن ظهر قلب كيف لا وهذا النادي لاعبوه حينها معظهم من قاطني الحي البديع ويلعبون من اجل وطنهم الصغير ويتنادون فيما بينهم بالنصر والثبات ،،
وعندما كانت الموردة علي هذا القدر من الجلال والجمال والدلال والعزة والمنعة والشموخ كانت الكرة السودانية لها طعم ونهكة خاصة وكانت فعلاً لا قولاً مكان تباريح وتسلية واشباع للنفوس ومنصة باذخة وشامخة وباسقة للادب والثقافة والتسامح والاخلاق الرياضية الطيبة.
*رفدت الموردة الحياة السياسية والاقتصادية والرياضية في السودان بالكوادر الادارية الفذة واللاعبين الكبار فاننا اذ ننسى لا ننسي الشخصية الرياضية والادارية الفذة العم المرحوم المهندس “حامد الجزولي” واللاعب الكبير والاداري الرياضي الفذ (كابتن المحينة) ، وكمال الفيل ، وال عبد الفراج ، وآل مرسال ، عباس رحمة الله ، وكابتن حسن حامد، الشيخ محمد صالح سوار الذهب ،وابناء فتح الله ابن المرحوم محمد احمد عمر ، والعميد عثمان كنب ، وكابتن سليمان ،ال باعبود ، والكابتن الفخيم محمود الزبير ، آل شوشة وكلنا يتذكر هيثم شوشة ، والكاتبن ختم ادريس ، وآل ابوعنجة ومنهم جمال ابوعنجة يرحمه الله كابتن المريخ ،، والمثير الكثير من الشخصيات والعائلات التي نسيتها من غير عمد ،،،
وتستمر مسيرة الموردة وصولاً للرعيل الجديد امثال المعز محجوب وعمار ابو كدوك وهيثم السعودي وكابتن الهلالي الحالي بشة وستعود تلكم الايام الزواهر التي نؤمن ونتيقن من استرسالها من جديد.
*فجعت الاوساط الرياضية في السودان قاطبة عندما انحسر (خور ابو عنجة) ونضب مجري (النيل) عند شرفات (حي الموردة) العريق حينما هبطت الموردة في المبارة الشهيرة ضد الهلال والتي انتهت 2/0 لصالح الهلال في العام 2013 !!!!، لتعلن انهيار الحائط الثالث للكرة السودانية ، انحسار ونهاية محزنة لمجريات تاريخ امتد من العام 1927م.
*هبطت الموردة لدوري الاولى وخفت ضوءها الشائع لتختفى اثار تاريخية ضاربة في القدم وتفقد الكرة السودانية متعتها وتُنَكّص (راية)كانت تحمل شعار الهلب المنيع!!!،
كانت راية خفاقة اسمها الموردة وكانت هناك نغمة جميلة تخرج من حناجر رواد نادي الموردة تزدان بها الملاعب ، بكت مدرجات كل استادات السودان علي فراق واحد من ابناءها الاماجد وغابت عن وجوهها الابتسامة والمحضن التاريخي العملاق.
*لاقت الموردة ظلماً عجيباً من كل السودانيين لم يهتم احد بهذا التاريخ النضيد، فريق احرز دوري السودان واحرز كاس السودان خمس مرات وشارك في البطولات الافريقية بطولها وعرضها ووصل لنهائي الاندية العربية الابطال وهزم فريق الملك الفاروق المصري بدستة اهداف حتى تم تغيير اسم هذا النادي لنادي (الزمالك) بمسماه الحالي !!!!،
فريق بكل هذا الالق ضاع بين انياب الدهر واصبح استاده (متحف) ومزار للذين يعشقون التاريخ والجمال والوطنية يتباكون حول سياجه وجدرانه ويتمرقون على ترابه ويندبون حظهم من هؤلاء الجاحدين من حكام ورجال اعمال.
*الموردة بتعلب ،، هذه الجملة التي صارت ايقونة يمضغها الرياضيون في السودان (علكة) ذات نكهة فريدة وطعم ذائق ،، هذه الجملة اطلقها الكابتن ونجم النجوم والاسد القاهر ابن (حلة خوجلي) وايقونة الهلال “سليمان فارس” او كما لقبه الأهلة “السد العالي” عند رجوعه من الغربة الاحترافية في دولة مصر وشاهد اداء لاعبي الموردة الساحر والنهج الحديث في دنيا كرة القدم وقالها بدهشة ورددها (الموردة بتلعب،، الموردة بتلعب ،، الموردة بتلعب!!!).
*اخيراً ..
نداء عاجل للسادة في الحكومة والسادة رجال الاعمال ،،
اعيدوا لنا هذه النغمة (الموردة بتلعب) في اقرب وقت،،
و.. و(الموردة بتلعب)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock